أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
283
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
التذكير ، ، ك « طلع الشمس » ، قال بعضهم « 1 » وهو غير جيد ، لأن ذلك حيث كان الفعل متقدما ، نحو : « طلع الشمس » ، أما إذا تأخر وجب التأنيث إلّا في ضرورة شعر ، كقوله : 2229 - . . . * ولا أرض أبقل إبقالها « 2 » قلت : وهذا يجيء على مذهب ابن كيسان ، فإنّه لا يقصر ذلك على ضرورة الشعر ، بل يجيزه في السعة . وقال الفراء : « قريبة وبعيدة ، إمّا أن يراد بها النسب وعدمه فتؤنثها العرب ليس إلّا ، فيقولون : فلانة قريبة مني ، وبعيدة مني ، أي : في النسب . أما إذا أريد القرب في المكان فإنه يجوز الوجهان ، لأن قريبا وبعيدا قائم مقام المكان ، فيقولون : فلانة قريبة وقريب ، وبعيد لا وبعيد ، التقدير : هي في مكان قريب وبعيد ، وأنشد : 2230 - عشيّة لا عفراء منك قريبة * فتدنو ، ولا عفراء منك بعيد « 3 » فجمع بين اللغتين . إلّا أن الزجاج ردّ على الفراء قوله ، وقال : « هذا خطأ ، لأن سبيل المذكر والمؤنث أن يجريا على أفعالهما » . قلت : وقد كثر في شعر العرب مجيء هذه اللفظة مذكرة ، وهي صفة لمؤنث ، قال أمرؤ القيس : 2231 - له الويل إن أمسى ولا أمّ سالم * قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا « 4 » وفي القرآن : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً « 5 » وقال أبو عبيدة : « قَرِيبٌ » في الآية ليس وصفا لها ، إنما هو ظرف لها وموضع ، فيجيء هكذا في المؤنث والاثنين والجمع ، فإن أريد بها الصفة وجبت المطابقة ، ومثلها لفظة « بعيد » أيضا . « إلّا أن عليّ بن سليمان الأخفش خطأه . قال : « لأنه لو كانت ظرفا لانتصب ، كقولك : « إنّ زيدا قريبا منك » . وهذا ليس بخطأ ، لأنه يجوز أن يتسع في الظرف ، فيعطى حكم الأسماء الصريحة ، فتقول : « زيد أمامك ، وعمرو خلفك » برفع « أمام وخلف » ، وقد نص النحاة على أن نحو : « إنّ قريبا منك زيد » : إنّ « قريبا » اسم « إنّ » و « زيد » خبرها ، وذلك على الاتساع . و « مِنَ الْمُحْسِنِينَ » متعلّق ب « قَرِيبٌ » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 57 ] وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 57 ) قوله : بُشْراً . قد تقدم خلاف القراء في إفراد « الريح » وجمعها بالنسبة إلى سائر السور في البقرة « 6 » . وأما « بُشْراً فقرأه - في هذه السورة ، وحيث ورد في غيرها من السور - : نافع وأبو عمرو وابن كثير بضم النون والشين ، وهي قراءة الحسن وأبي عبد الرحمن ، وأبي رجاء ، بخلاف عنهم ، وشيبة بن نصاح والأعرج وعيسى بن عمر وأبي يحيى وأبي نوفل الأعرابيين وفي هذه القراءة وجهان يتحصل منهما ستة أوجه :
--> ( 1 ) البحر المحيط ( 4 / 113 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) البيت لعروة بن حزام العذري انظر ديوانه ( 5 ) ، الخصائص ( 2 / 412 ) ، اللسان « قرب » . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) سورة الأحزاب ، آية ( 63 ) . ( 6 ) الآية ( 164 ) .